ابن تيمية

57

مجموعة الرسائل والمسائل

وأيضاً فلفظ الحروف مجمل ، يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التي هي مباني الكلام ، ويراد بها الحروف المكتوبة ، ويراد بها الحروف المتخيلة في النفس ، والصوت لا يكون كلاماً إلا بالحروف باتفاق الناس . وأما الحروف فهل تكون كلاماً بدون الصوت ؟ فيه نزع . والحرف قد يراد به الصوت المقطع ، وقد يراد به نهاية الصوت وحده ، وقد يراد بالحروف المداد ، وقد يراد بالحروف شكل المداد ، فالحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة وإذا كتبت في المصحف قيل كلام الله المكتوب في المصحف غير مخلوق ، وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق ، فالمداد مخلوق بمادته وصورته ، وكلام الله المكتوب بالمداد غير مخلوق ، ومن كلام الله الحروف التي تكلم الله بها فإذا كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقاً . وأشكال الحروف المكتوبة مما يختلف فيها اصطلاح الأمم . والخط العربي قد قيل أن مبدأه كان من الأنبار ومنها انتقل إلى مكة وغيرها ، والخط العربي تختلف صورته : العربي القديم فيه تكوف ، وقد اصطلح المتأخرون على تغيير صوره ، وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف وترتيبها ، وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط كالقرآن العربي هو في نفسه لا يختلف باختلاف الخطوط التي يكتب بها . فإن قيل : فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه في كلام الخالق أو كلام المخلوق ؟ فإن قلتم هو من حيث هو مخلوق لزم أن يكون غير مخلوق في كلام العباد ، وإن قلتم مخلوق لزم أن يكون مخلوقاً في كلام الله ؟ قيل : قول القائل بل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو والعلم من حيث هو هو والقدرة من حيث هي هي ، والوجود حيث هو هو ، ونحو ذلك .